الشيخ محمد السند

12

الغلو و الفرق الباطنية ( رواة المعارف بين الغلاة والمقصرة )

فلهذه الأسباب وغيرها بقيت حقيقة الأمر مختفية لدى كثير من روّاد الحقيقة ، وقد تسرب هذا الغموض والخفاء إلى علم الرجال ، فيرى في كثير من ملفّات الرواة انّه قد سجّل عليهم كونهم من الغلاة أو الطيارة أو المخلّطة وغيرها من الأوصاف والتعبيرات ، لا سيما أن بعض أرباب الجرح والتعديل لم يتضح لديهم حقيقة مقالات أولئك الرواة أو لم يكن أفقهم المعرفي والعلمي بدرجة وعي تلك المقالات والأقوال فتراهم يتسرعون إلى إلصاق هذه الأوصاف لكل من يخالفهم في الرأي . هذا ، مع ما في كثافة الدعايات العامية والحكومية من التأثير السلبي على بعض أرباب الجرح والتعديل . فمن الضروري في علم الرجال تنقيح الحال حول الفرق المطعون عليهم بالغلو وحقيقة مقالاتهم لترسم لدى الباحث صورة عن واقع الأمر الذي حاول جهاز السلطة أن يبقى مخفياً طوال القرون . وممّا يجدر الالتفات إليه في تنقيح حال أولئك الفرق والجماعات تمييز درجة انحرافهم - إن حصل لديهم انحراف - فكما أنّ للإيمان والحق درجات ومراتب كذلك للكفر والباطل مراتب تختلف شدة وضعفاً . فمن عدم الحيادة في البحث ضرب الجميع بحجر واحد ، بل ينبغي حسبان كل أحد في ظروفه الخاصة به وتشخيص درجة انحرافه عن جادة الحق . كما وصانا الباري تبارك وتعالى فقال : « يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوى » فمراعاة العدالة واجبة حتى مع العدو والمخالف . ومما يزيد في أهمية هذا البحث والتنقيح هو أن كثيراً من رواة المعارف والمقامات الذين حملوا الركن الأعظم والفقه الأكبر من الدين الحنيف قد تركوا وهجروا لما نسب إليهم من هذه الأوصاف ، والحال أنّهم من أكابر أجلاء الرواة بل قد يعد بعضهم من أخصاء حواري أهل البيت عليهم السلام . وبنسبة أهمية الفقه الأكبر على الفقه الأصغر تكون أهمية كشف